منشور مدونتك
وصف تدوينة مدونة.
أنشطة وفعاليات
9/23/20261 دقيقة قراءة


تحديات العودة.. نساء مهجّرات يروين سنوات النزوح ويضعن شروط العودة الآمنة والكريمة
رابطة دار لضحايا التهجير القسري – تقرير جلسة حوارية
التاريخ: 25 حزيران/يونيو 2026
في ظل استمرار تداعيات التهجير القسري والنزوح الممتد لسنوات، عقدت رابطة دار لضحايا التهجير القسري جلسة حوارية بعنوان "تحديات العودة" في مخيم سري كانيه، بمشاركة 16 امرأة، بهدف الاستماع إلى تجارب النساء المهجّرات، ورصد أوضاعهن الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، ومناقشة شروط العودة من وجهة نظرهن، إضافة إلى تحديد أبرز المخاطر والتحديات التي تحول دون عودة آمنة ومستقرة وكريمة.
الزواج المبكر والعنف الأسري
تطرقت إحدى المشاركات إلى ظاهرة تزويج الفتيات في سن مبكرة، معتبرة أن الظروف الاقتصادية الصعبة وضيق المساحات داخل المخيم وغياب الخصوصية تدفع بعض الأسر إلى النظر إلى الزواج باعتباره وسيلة للخروج من ظروف المخيم.
وأشارت إلى أن هذه الزيجات قد تواجه لاحقاً مشكلات كبيرة، في ظل الضغوط الاقتصادية والنفسية، وأنها ربطت بين الظروف الصعبة وبين ارتفاع حالات الخلافات الزوجية والطلاق والعنف ضد النساء.
كما تحدثت عن تأثير الضغوط النفسية على الأطفال، مؤكدة أن غياب الدعم النفسي للأمهات يمكن أن ينعكس على علاقتهن بأطفالهن وعلى البيئة الأسرية بشكل عام.
العودة.. بين الحلم والخوف
رغم حجم المعاناة داخل المخيم، لم تكن مواقف المشاركات من العودة متطابقة.
ففي حين عبّرت بعض النساء عن رغبة قوية في العودة إلى سري كانيه، رأت أخريات أن العودة في الظروف الحالية قد تكون صعبة أو غير ممكنة بالنسبة لهن، خصوصاً في ظل غياب السكن وفرص العمل والخدمات الأساسية.
إحدى المشاركات وصفت مشاعرها تجاه العودة بأنها خليط من الفرح والحزن. وقالت إن أول ما تفكر في اصطحابه عند العودة هو الخيمة والأوراق الرسمية وبعض الملابس والأغراض الضرورية، لكنها في الوقت نفسه تتساءل: أين ستسكن الأسرة إذا كان المنزل قد دُمّر؟
ومع ذلك، قالت إنها مستعدة للبدء من جديد، حتى لو اضطرت إلى نصب خيمة داخل منزلها المدمر والبدء بإعادة البناء تدريجياً، معتبرة أن العودة إلى المدينة، بالنسبة لها، ترتبط بالأمان والاستقرار والكرامة والانتماء إلى المكان.
وفي المقابل، قالت مشاركة أخرى إنها لا ترى العودة خياراً مناسباً في الوقت الراهن، لأنها استطاعت داخل المخيم الحصول على فرصة عمل تؤمن لها دخلاً، بينما تخشى ألا تجد أي فرصة عمل في المدينة، وخصوصاً أن فرص العمل المتاحة للنساء، وفق وصفها، محدودة للغاية.
أظهرت النقاشات أن مفهوم العودة لا يُنظر إليه بوصفه قراراً واحداً متشابهاً بالنسبة لجميع النساء، وإنما يرتبط بالظروف الاقتصادية والأسرية والأمنية والاجتماعية لكل أسرة.
الألغام والدمار.. هاجس يرافق التفكير بالعودة
شكلت مخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة أحد أبرز المخاوف التي عبرت عنها المشاركات٬ وتحدثت إحدى المشاركات عن حوادث سمعت بها تتعلق بأشخاص حاولوا تفقد منازلهم أو تنظيفها، لتنفجر بهم مخلفات متفجرة كانت موجودة في المكان.
وقالت مشاركة أخرى إنها زارت سري كانيه ولم تتمكن من دخول منزلها بسبب وجود الألغام، ولم تجد من المنزل سوى أجزاء من البناء. كما تحدثت عن الصدمة التي شعرت بها بسبب تغير ملامح المدينة وغياب العديد من الوجوه التي كانت تعرفها قبل النزوح.
ورغم ذلك، أكدت أنها لا تزال تحلم بالعودة وفتح متجر صغير والعمل والاستقرار في مدينتها.
وتكشف هذه الشهادات عن مفارقة أساسية في قضية العودة: فالحنين إلى المكان والرغبة في استعادة الحياة الطبيعية يترافقان مع خوف حقيقي من المخاطر الأمنية والدمار وغياب البنية التحتية اللازمة للعيش.
التعويضات والمساواة في الاستجابة
تطرقت المشاركات كذلك إلى مسألة التعويضات والمساعدات المخصصة للمهجّرين٬ وأعربت إحدى المشاركات عن شعورها بوجود تفاوت في حجم الدعم الذي يصل إلى مجموعات مختلفة من المهجّرين، متسائلة عن أسباب عدم وصول تعويضات أو مساعدات مالية كافية إلى أهالي سري كانيه، رغم مرور سنوات طويلة على تهجيرهم وتعرض منازلهم للدمار.
وبالنسبة للمشاركات، فإن أي عودة لا تنفصل عن الحاجة إلى آليات تعويض وإعادة إعمار تساعد الأسر على استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة.
العودة الجماعية والحماية
برزت فكرة العودة الجماعية والمنسقة كأحد المطالب الرئيسية التي تكررت خلال الجلسة٫ وترى المشاركات أن العودة الفردية قد تعرض الأسر لمخاطر إضافية، وأن العودة ينبغي أن تكون ضمن ترتيبات واضحة توفر الحماية والأمان، إلى جانب وجود جهة قادرة على معالجة القضايا المتعلقة بالسكن والخدمات والأوراق الرسمية وسبل العيش.
كما طُرح موضوع أوضاع الشباب والعسكريين السابقين وضرورة إيجاد ترتيبات قانونية وأمنية واضحة تضمن عدم تعرضهم للمخاطر عند العودة.
العمل والكرامة الاقتصادية
ناقشت المشاركات واقع العمل داخل المخيم، وخصوصاً بالنسبة للفتيات والنساء المتعلمات٬ إحدى المشاركات تحدثت عن تجربة مجموعة من الفتيات الجامعيات اللواتي وجدن أنفسهن أمام عروض عمل لا تتناسب مع مؤهلاتهن، واعتبرت أن بعض الصيغ المستخدمة في توصيف هذه الأعمال تحمل طابعاً مهيناً وتمس كرامة الخريجات.
وأشارت إلى أن رفض الرجال لبعض الأعمال، مقابل توجيهها حصراً إلى النساء والفتيات، يثير تساؤلات حول العدالة في توزيع فرص العمل واحترام المؤهلات والكرامة المهنية.
وتؤكد هذه الشهادة أهمية تصميم برامج اقتصادية تراعي مهارات النساء ومؤهلاتهن، بدلاً من حصر مشاركتهن الاقتصادية في فرص مؤقتة أو منخفضة الأجر أو لا تتناسب مع خبراتهن.
شروط العودة كما طرحتها المشاركات
خلال الجزء الثالث من الجلسة، استخدمت الميسرة تمريناً تشاركياً بعنوان "شجرة الكرامة"، بهدف مساعدة المشاركات على تصور العودة التي يرغبن بها وتحديد العناصر الضرورية لتحقيقها٬ وخرجت المشاركات بمجموعة من المطالب والشروط، أبرزها:
* توفير بيئة آمنة تضمن سلامة العائدين.
* تأمين سكن لائق يحتضن العائلات ويحفظ خصوصيتها وكرامتها.
* تقديم دعم مالي مباشر للمساعدة في إعادة الإعمار.
* توفير المواد الأساسية اللازمة للترميم، بما فيها الأبواب والشبابيك وغيرها.
* صرف تعويضات مالية عن الأضرار والخسائر التي لحقت بالأسر خلال سنوات النزوح.
* إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية.
* توفير مدارس مناسبة وآمنة لضمان استمرار تعليم الأطفال.
* اتخاذ إجراءات للحد من آثار الغلاء وارتفاع تكاليف الخدمات.
* خلق فرص عمل مستدامة وإطلاق مشاريع صغيرة مدرة للدخل.
* توفير برامج تدريب مهني وتدريبات على مهارات الحياة.
* استمرار المساعدات الإغاثية خلال المرحلة الانتقالية إلى حين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها.
* تنظيم العودة بصورة جماعية ومنسقة وآمنة.
* توفير ترتيبات واضحة لحماية الشباب والعسكريين السابقين وتسوية أوضاعهم.
* توفير الحماية القانونية لتثبيت الوثائق والأوراق الثبوتية، بما فيها عقود الزواج وتسجيل الولادات.
* تقديم دعم نفسي واجتماعي متخصص للنساء.
* تعزيز السلم الأهلي والاندماج المجتمعي بين مختلف مكونات المنطقة.
* ضمان إعادة إدماج الفتيات في المجتمع وتمكينهن من التعليم والعمل والمشاركة العامة.
خلاصة الجلسة
أظهرت جلسة "تحديات العودة" أن ملف العودة بالنسبة للنساء المهجّرات لا يقتصر على الانتقال الجغرافي من المخيم إلى مكان آخر، بل يرتبط بمجموعة واسعة من الحقوق والاحتياجات الأساسية، تبدأ بالأمن والسكن والخدمات، وتمتد إلى التعليم والعمل والرعاية الصحية والدعم النفسي والحماية القانونية والكرامة الاجتماعية.
كما أظهرت شهادات المشاركات أن سنوات التهجير الطويلة تركت آثاراً عميقة على النساء والأطفال والعائلات، وأن استمرار العيش في ظروف تفتقر إلى الخصوصية والخدمات وفرص العمل أدى إلى تراكم أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية.
وفي الوقت نفسه، كشفت النقاشات عن تباين واضح في مواقف النساء من العودة. فبعضهن يرى في العودة استعادة للبيت والهوية والكرامة وبداية لإعادة بناء الحياة، بينما تخشى أخريات من العودة في ظل غياب السكن وفرص العمل والخدمات والضمانات الأمنية٬ وبالتالي، فإن العودة وفق ما عبّرت عنه المشاركات، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد مغادرة للمخيم، وإنما باعتبارها عملية متكاملة تتطلب توفير شروط أساسية تضمن الأمن والسكن والخدمات وسبل العيش والحماية والكرامة.
وتؤكد مطالب المشاركات أن أي مسار للعودة يحتاج إلى الاستماع المباشر إلى النساء والأسر المتضررة، وإشراكهن في تحديد الأولويات، مع إعطاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة، بما فيها النساء المعيلات، والأطفال، والأشخاص ذوو الإعاقة، والفتيات، والأسر التي فقدت مساكنها ومصادر دخلها.
وتبقى الرسالة الأبرز التي خرجت بها الجلسة أن الرغبة في العودة موجودة لدى عدد من النساء، لكنها ترتبط بقدرة العائدين على العيش بأمان وكرامة واستقرار، وإعادة بناء حياتهم دون أن يجدوا أنفسهم أمام دورة جديدة من التهجير والمعاناة.
رابطة دار لضحايا التهجير القسري
